عبد العزيز الدريني
17
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
الفصل الثاني في الثناء الحمد للّه الذي عز جلاله فلا تدركه الأفهام ، وسما كماله فلا يحيط به الأوهام ، وشهدت أفعاله أنه الحكيم العلام الموصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام صفاته قديمة لا تشبه صفات خلقه ، فمن شبه فقد شابه عبدة الأصنام ، جلّ الواحد الأحد الصمد ، فلا يحيط به فكر ولا يحده حصر ولا يحويه نظر فلا يجب عليه حق ولا يتوجه عليه ملام . هو اللّه الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ، تعرّف إلى خلقه بصنعته فنصب على معرفته الأعلام ، وأوضح الدليل على تمام حكمته وكمال قدرته بترتيب مخلوقاته على وصف الإتقان والإحكام ، وقسم عطاءه بين خلقه في الظاهر والباطن أقسام ، فالمؤمنون حبب إليهم الإيمان وشرح صدورهم للاسلام ، والكافرون حجبهم عن بابه وجرت بشقاوتهم الأقلام ، والعلماء زينهم بإقامة الحجج الدينية ومعرفة الأحكام ، والعارفون أودعهم لطائف سره فهم أهل المحاضرة والإلهام ، والعاملون وفّقهم لخدمته فهجروا لذيذ المنام وأقام همهم فاستقاموا ، وقاموا في جنح الظلام ، والمحبّون أذاقهم لذة قربه وآنسهم فشغلهم عن جميع الأنام ، والغافلون أذهلهم عن النظر في العواقب فجحوا للآثام ؛ فسبحان من منح ومنع ووصل وقطع وفرّق وجمع فبمشيئته الإحجام والإقدام ، يقبل التوبة ويكشف الحوبة ويغفر الإجرام ، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام . أحمده على ما أولانا من جزيل الإنعام ، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له شهادة من قال ربى اللّه ثم استقام ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقد ارتفع من غبار